الحلبي

323

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

الصلاة والسلام نبئ ورفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، بل قيل نبئ وهو طفل ، فاشتراط الأربعين في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليس بشيء ، هذا كلامه : أي وفيه أن هذا بمجرده لا يدل على وضع الحديث ، ويوافقه أيضا قول القاضي البيضاوي : ونبئ نوح وهو ابن خمسين سنة ، وقيل أربعين ، ويوافقه أيضا قول بعضهم : ومما يدل على أن بلوغ الأربعين ليس شرطا للنبوة ، وقصة سيدنا يحيى صلوات اللّه وسلامه عليه بناء على أن الحكم في قوله تعالى : وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [ مريم : الآية 12 ] النبوة ، لا الحكمة وفهم التوراة كما قيل بذلك ، بل أحكم إليه عقله في صباه واستنبأه ، قيل كان ابن سنتين أو ثلاث . ولما ولي الخلافة المقتدر وهو غير بالغ صنف الإمام الصولي له كتابا فيمن ولي الأمر وهو غير بالغ ، واستدل على جواز ذلك بأن اللّه بعث يحيى بن زكريا نبيا وهو غير بالغ ، وذكر فيه كل من استعمله النبي صلى اللّه عليه وسلم من الصبيان . قال بعضهم : وهو كتاب حسن ، فيه فوائد كثيرة . وكان ذبح يحيى قبل رفع عيسى عليهما الصلاة والسلام بسنة ونصف سنة . ومما يدل على ما تقدم عن الهدى : أي من إنكار أن عيسى عليه الصلاة والسلام رفع وله ثلاث وثلاثون سنة قول بعضهم : الأحاديث الصحيحة تدل على أنه إنما رفع وهو ابن مائة وعشرين سنة . من تلك الأحاديث قوله صلى اللّه عليه وسلم في مرض موته لابنته فاطمة رضي اللّه تعالى عنها « أخبرني جبريل أنه لم يكن نبي إلا عاش نصف عمر الذي كان قبله ، وأخبرني أن عيسى ابن مريم عاش عشرين ومائة سنة ، ولا أراني إلا ذاهبا على رأس الستين » وفي الجامع الصغير « ما بعث اللّه نبيا إلا عاش نصف ما عاش الذي قبله » وعلى كون كل نبي عاش نصف ما عاش النبي الذي قبله يشكل أن نوحا كان أطول الأنبياء عمرا ، ومن ثم قيل له كبير الأنبياء ، وشيخ المرسلين . وهو أول من تنشق عنه الأرض بعد نبينا صلى اللّه عليه وسلم ، ثم رأيت أن الحافظ الهيتمي ضعف حديث : ما بعث اللّه نبيا إلا عاش نصف ما عاش النبي الذي قبله . وقال العماد بن كثير : إنه غريب جدا . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عام تبوك قام من الليل يصلي ، فاجتمع رجال من أصحابه يحرسونه : أي ينتظرون فراغه من الصلاة ، لأن نزول وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة : الآية 67 ] كان قبل هذا ، حتى إذا صلى وانصرف إليهم قال لهم : لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي » زاد في رواية « لا أقولهن فخرا . أما أولاهنّ فأرسلت إلى الناس كلهم عامة » أي من في زمنه وغيرهم ممن تقدم أو تأخر : أي وللشجر والحجر إلى آخر ما يأتي « وكان من قبلي » وفي لفظ « وكان كل نبي إنما يرسل إلى قومه » أي جميع أهل زمنه أو جماعة منهم خاصة . ومن الأول نوح ، فإنه كان مرسلا لجميع من كان في زمنه من أهل الأرض ، ولما